حيدر حب الله

10

منطق النقد السندي (بحوث في قواعد الرجال والجرح والتعديل)

مشكلة النّسخ ، وهكذا . إذن ، فنحن أمام واقعٍ حقيقيٍّ لا يمكن تجاهله ، وهو الإنسان / الراوي ، الذي يشكّل الواسطة التاريخيّة بيننا وبين الحدث أو القول ، وهذا يفرض - في أحد الأضلاع فقط - دراسة هذا الإنسان وتتبّع أحواله ، ومقاربة المعلومات حوله ، بغية رفع مستوى وثوقنا ويقيننا بسلامة النصّ المنقول عبره أو واقعيّة الحديث المنقول بالدقّة . من هنا ، ينشأ علم السند ودراسة أحوال الرواة والناقلين وتتبّع ميولهم وتوجّهاتهم وحالالتهم الخَلْقِيّة والخُلُقِيّة والنفسيّة والاجتماعيّة وغير ذلك ، وهذا هو ما عُرف عند المسلمين بعلم الرجال تارةً أو علم رجال الحديث أو علم تاريخ الرواة أو علم الرواة أو علم الجرح والتعديل أو غير ذلك . هذا العلم بدوره واجه مشاكل عميقة ؛ إذ إنّ عمليّة تقويم الرواة لم تكن يوماً بالأمر البسيط أو الهيّن ؛ لأنّ الرواة في حدّ أنفسهم هم بالنسبة لنا واقعٌ تاريخيّ ، ومن ثمّ فعلينا ممارسة رصد تاريخي للتثبّت من حالهم ، فقد تحولّ الرواةُ من وسائط للتثبّت من الحديث إلى هدفٍ يجب التثبّت منه أيضاً ، وبهذا تعقّد الموقف أكثر ، فكيف يمكنني أن أتثبّت من أحوال الرواة الذين يبعدون عنّي مئات السنين ؟ وما هي الوسائل ؟ وما هي المعايير ؟ لقد اعتُبرت التجارب الأولى لعلماء المسلمين ( القرون الخمسة الهجريّة الأولى ) بل وما بعدها ، في نقد أحوال الرواة بمثابة المرجع الرئيس الذي يوفّر لنا المعلومات عنهم ، واتخاذ موقفٍ إيجابيّ أو سلبيّ من هذا أو ذاك منهم ، فإلى أيّ حدّ يمكن الركون إلى مواقف الأجيال الأولى من علماء الرجال ؟ وهل يصحّ أن نكون مقلِّدةً لهم ؟ وما هو المبرّر لاعتبارها مرجعاً يُحتكم إليه في نقد الرواة وتقويمهم ؟ شيئاً فشيئاً ، صار البحث التفصيلي في أوضاع الرواة يخلق تساؤلات تقعيديّة ومنهجيّة تمسّ بِنية علم الرجال ، مثل : ما هي قيمة مواقف الأجيال الأولى من علماء الرجال من الرواة في تعيين موقفنا نحن منهم ؟ وما هو المنهج الصحيح في التعامل مع تقويماتهم بين الاتّباع والإبداع ، بين التقليد والنقد ، بين اعتبارهم ناقلين أو مجتهدين ( حجيّة قول الرجالي ) ؟